ابن عجيبة

329

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ؛ ينشئهم ، ثُمَّ يُعِيدُهُ ؛ يحييهم بعد الموت ، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ؛ للجزاء ؛ بالثواب والعقاب . والالتفات إلى الخطاب ؛ للمبالغة في إثباته . وقرأ أبو عمرو وسهل وروح : بالغيب ، على الأصل . وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ : ييأس ويتحير الْمُجْرِمُونَ ؛ المشركون ؛ يقال : ناظرته فأبلس ، أي : أفحم وأيس من الحجة ، أو : يسكتون متحيرين ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ التي عبدوها من دون اللّه شُفَعاءُ يشفعون لهم ويجيرونهم من النار ، وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ ؛ جاحدين لها ، متبرئين من عبادتها ، حين أيسوا من نفعها . أو : كانوا في الدنيا كافرين بسبب عبادتها . وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ أي : المسلمون والكافرون ، بدليل قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ ، أي : بستان ذي أزهار وأنهار ، وهي الجنة . والتنكير ؛ لإبهام أمرها وتفخيمه ، يُحْبَرُونَ : يسرّون ، يقال : حبره ، إذا سرّه سرورا تهلّل به وجهه ، وظهر فيه أثره . ووجوه المسار كثيرة ، فقيل : يكرمون ، وقيل : يحلّون . وقيل : هو السماع في الجنة . قاله غير واحد . قال أبو الدرداء : كان عليه الصلاة والسلام يذكّر الناس بنعيم الجنان ؛ فقيل : يا رسول اللّه ؛ هل في الجنة من سماع ؟ قال : « نعم ، إنّ في الجنة لنهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خمصانة ، يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط ، فذلك أفضل نعيم أهل الجنّة . » قال الراوي : فسألت أبا الدرداء : بم يتغنين ؟ قال : بالتسبيح إن شاء اللّه « 1 » . والخمصانة : المرهفة الأعلى ، الضخمة الأسفل . ه . انظر الثعلبي . وذكر غيره أن هذا السماع يكون في نزهة تكون لأهل الجنة على شاطئ هذا النهر ، وقد ذكرناها في شرحنا الكبير على الفاتحة . وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ ؛ بالبعث فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ : مقيمون ، لا يغيبون عنه . عائذا باللّه من غضبه .

--> ( 1 ) ذكره القرطبي في التفسير ( 6 / 5243 ) ، وعزاه للثعلبي ، من حديث أبي الدرداء ، وأخرجه ، بنحوه ، البيهقي في البعث والنشور ( 425 ) من حديث أبي هريرة موقوفا .